فخر الدين الرازي

115

تفسير الرازي

في الصلاة أو غيرها ، وسائر الفقهاء اتفقوا على أنه ليس كذلك ، لأنه لا خلاف بينهم أنه إن لم يتعوذ قبل القراءة في الصلاة ، فصلاته ماضية ، وكذلك حال القراءة في غير الصلاة لكن حال القراءة في الصلاة آكد . المسألة الخامسة : المراد بالشيطان في هذه الآية قيل إبليس ، والأقرب أنه للجنس ، لأن لجميع المردة من الشياطين حظاً في الوسوسة . واعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالاستعاذة من الشيطان وكان ذلك يوهم أن للشيطان قدرة على التصرف في أبدان الناس ، فأزال الله تعالى هذا الوهم ، وبين أنه لا قدرة له البتة إلا على الوسوسة فقال : * ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) * ويظهر من هذا أن الاستعاذة إنما تفيد إذا حضر في قلب الإنسان كونه ضعيفاً وأنه لا يمكنه التحفظ عن وسوسة الشيطان إلا بعصمة الله تعالى ، ولهذا المعنى قال المحققون : لا حول عن معصية الله تعالى إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله تعالى ، والتفويض الحاصل على هذا الوجه هو المراد من قوله : * ( وعلى ربهم يتوكلون ) * . ثم قال : * ( إنما سلطانه على الذين يتولونه ) * قال ابن عباس : يطيعونه يقال : توليته أي أطعته وتوليت عنه أي أعرضت عنه : * ( والذين هم به مشركون ) * الضمير في قوله : ( به ) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه راجع إلى ربهم . والثاني : أنه راجع إلى الشيطان والمعنى بسببه ، وهذا كما تقول للرجل إذا تكلم بكلمة مؤدية إلى الكفر كفرت بهذه الكلمة أي من أجلها ، فكذلك قوله : * ( والذين هم به مشركون ) * أي من أجله ومن أجل حمله إياهم على الشرك بالله صاروا مشركين . قوله تعالى * ( وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ باِلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) * اعلم أنه تعالى شرع من هذا الموضوع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . وفيه مسائل :